اليمن بين أبعاد الصراع والازمة الانسانية المتفاقمة ومؤشرات تحقيق السلام
اليمن: بين ثلاثية المعاناة وبصيص السلام الدائم
أصبح تحقيق السلام ضرورة حتمية وإستراتيجية كبرى لهذا البلد الذي يعاني أزمة أنساجنية متفاقمة كبرى منذ ستة عشر عاما وأصبح لزاما على الدول الشقيقة الجارة والصديقة العمل بوتيرة عالية من اجل اليمن وشعبة ورفع المعاناة الانسانية التي يعاني منها يمر اليمن بمرحلة استثنائية من تاريخه الحديث، فبالرغم من صمود "الهدنة غير الرسمية" وتراجع حدة المواجهات العسكرية المباشرة مقارنة بالسنوات الماضية، إلا أن البلاد لا تزال تعيش واحدة من أعمق الأزمات الإنسانية والاقتصادية على مستوى العالم. إن فك شفرة المشهد اليمني يتطلب الغوص في ثلاثة أبعاد رئيسية متداخلة: الإنساني، والسياسي، والاقتصادي.
1. البعد الإنساني: صمود شعبي في مواجهة شحة الموارد
يواجه الملايين من أبناء الشعب اليمني ظروفاً معيشية بالغة القسوة، حيث تشير التقارير الأممية إلى أن رقعة الاحتياجات الإنسانية تتسع بشكل مطرد.
- ارتفاع معدلات الاحتياج: يحتاج ما يقارب 23.1 مليون شخص في اليمن إلى مساعدات إنسانية وخدمات حماية، وهو ما يمثل زيادة ملحوظة عن الأعوام السابقة نتيجة لتراكم تبعات الصراع الطويل.
- أزمة الأمن الغذائي وسوء التغذية: يعاني ملايين اليمنيين من انعدام الأمن الغذائي الحاد، مع وجود أكثر من 2.2 مليون طفل دون سن الخامسة يواجهون خطر سوى التغذية الحاد، مما يهدد مستقبل جيل كامل.
- فجوة التمويل الإنساني الكبيرة: تواجه خطط الاستجابة الإنسانية للأمم المتحدة نقصاً غير مسبوق في التمويل؛ إذ لم يتم تمويل خطة عام 2025 إلا بنسبة تقارب 28% فقط. هذا التراجع الحاد أجبر المنظمات الدولية والمحلية على تقليص برامج الإغاثة والمساعدات الغذائية الحيوية بشكل كبير.
2. البعد الاقتصادي: الانقسام المؤسسي وتآكل القوة الشرائية
المحرك الأساسي للأزمة الإنسانية المتفاقمة في اليمن ليس غياب الغذاء من الأسواق، بل تآكل القدرة الشرائية للمواطنين نتيجة الشلل الاقتصادي الشامل.
- الانكماش والخسائر التراكمية: تشير البيانات الرسمية الصادرة عن وزارة التخطيط والتعاون الدولي اليمنية إلى أن الاقتصاد اليمني انكمش بنسبة تقارب 43% خلال سنوات الحرب، مع تجاوز الخسائر التراكمية حاجز الـ 126 مليار دولار.
- انقسام النظام المصرفي والعملة: يعاني الاقتصاد من انقسام مالي ومؤسسي حاد بين صنعاء وعدن. هذا الانقسام أدى إلى تباين قيمة العملة المحلية (الريال اليمني) بين مناطق السيطرة المختلفة، مما خلق بيئة تجارية معقدة ورفع من تكاليف نقل السلع الأساسية بين المحافظات.
- توقف الصادرات والمرتبات: تسبب توقف صادرات النفط الخام - التي كانت تشكل الرافد الأساسي للموازنة العامة - في عجز مالي شديد للحكومة، مما فاقم من أزمة عدم انتظام أو توقف صرف مرتبات مئات الآلاف من موظفي القطاع العام.
- البطالة المرتفعة: يعاني المجتمع اليمني من مستويات بطالة قياسية، لا سيما بين فئة الشباب حيث وصلت بطالة الشباب إلى حوالي 32.4%، وهي نسبة تفوق بكثير المعدلات العالمية والإقليمية.
3. البعد السياسي والإقليمي: انسداد الأفق وتأثير المتغيرات الخارجية
على الصعيد السياسي، تظهر التطورات تداخلاً وثيقاً بين الملف اليمني الداخلي والتفاعلات الجيوسياسية الإقليمية والدولية.
- تأثير التوترات الإقليمية: ألقت التوترات الجارية في منطقة البحر الأحمر والملاحة الدولية بظلالها على الملف اليمني. هذا التصعيد أدى إلى تراجع أولوية الملف اليمني في الأجندة الدولية، وحوّل التركيز نحو احتواء التداعيات الإقليمية بدلاً من دفع عملية السلام الداعمة للتسوية السياسية الشاملة.
- جمود عملية السلام: بالرغم من الجهود الكبيرة والمستمرة التي يبذلها المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن "هانس غروندبرغ"، والوساطات الإقليمية المستمرة (خاصة من الأشقاء في سلطنة عُمان والمملكة العربية السعودية)، إلا أن المحادثات السياسية المباشرة تعيش حالة من الركود النسبي بسبب تعقد ملفات الثقة والترتيبات الاقتصادية والأمنية.
- قضية الاحتجازات الإنسانية: تبرز تحديات إضافية تؤثر على ثقة المجتمع الدولي، مثل قضية احتجاز موظفين تابعين للأمم المتحدة ومنظمات دولية، وهي قضية تطالب الأمم المتحدة ومجلس الأمن بحلها بشكل عاجل لضمان استمرار تدفق المساعدات وتسهيل العمل الإنساني.
مؤشرات وخارطة الطريق لتحقيق السلام المستدام
رغم قتامة المشهد الإحصائي، إلا أن فرصة إحلال السلام وإنهاء المعاناة لا تزال قائمة وممكنة عبر تبني استراتيجية واقعية تقوم على المبادئ التالية:
أ. الانتقال من "الإغاثة" إلى "التنمية المستدامة"
أثبتت السنوات الماضية أن المساعدات العينية المؤقتة لا تصنع استقراراً طويلاً. يجب التركيز على دعم سبل العيش المحلية، وإعادة تأهيل القطاعات الإنتاجية مثل الزراعة، وصيد الأسماك، والصناعات الصغيرة، لتمكين العائلات من الاعتماد على الذات.
ب. تحييد الملف الاقتصادي
إنهاء المعاناة يبدأ بحلول اقتصادية شجاعة:
- توحيد السياسة النقدية والبنك المركزي لوقف تدهور العملة.
- وضع آلية متفق عليها برعاية دولية لاستئناف تصدير النفط والغاز وتخصيص العائدات لصرف مرتبات الموظفين في جميع أنحاء البلاد.
- فتح الطرق الحيوية والمنافذ البرية بين المدن (مثل تعز والمحافظات الأخرى) لتسهيل حركة التجارة والمدنيين وتقليل كلفة السلع.
ج. صياغة حل سياسي يمني-يمني شامل
لا يمكن بناء سلام مستدام بقرارات خارجية فقط. يحتاج اليمن إلى حوار وطني جامع تملك فيه المكونات اليمنية كافة زمام المبادرة، بدعم ورعاية من المجتمع الدولي ومجلس الأمن، لضمان بناء دولة مؤسسات تحترم حقوق الإنسان والتنمية البشرية.

تعليقات